الخميس، 13 أغسطس 2009

الصدمة والرحمة

التعامل مع الصدمات يأخذ لحظات من الدهشة والانزعاج وبعض الحزن, يزداد الحزن وتنسحب الدهشة ثم يتملك الحزن ويتربع فى القلب تربُع الأسد على عرش الغابة.

ومع الأيام, يتحول الحزن إلى اكتئاب, ويزداد الاكتئاب ويتضخم تضخم سرطانى مرعب, ويستفحل ويُهلك أيام صاحبة , حتى يتوطن ويصبح أخينا مريض, يطلب العلاج ولا يجده وفى النهاية يجد الخلاص فى إنهاء حياته بالقفز من نافذة الطابق الخمستاشر.

هذا سيناريو مظلم من الممكن أن يتكرر فى كل حالة يستقبل فيها الانسان خبر مرض خطير أو موت قريب أو أى كارثة كبيرة ولكن الله وضع فى نفس الانسان قدراً مناسبا من الصبر المقاوم لهذه الأخبار السوداء.

ويتوزع الصبر على الخلائق بميزان دقيق محسوب بدقة سيناريو الحياة المحكم.

ولكن, كيف نتعامل مع الصدمة؟

سؤال يشغل بال العالم كله لأن العالم كله مصدوم , والابتلاء لم يسلم منه أحد وهذه طبيعة الدنيا وقانونها على سكانها.

فى أمريكا حين يموت مريض حادثة فى المستشفى, تتصل الممرضة بالبيت وتطلب من الزوجة أو الابن أو الأم أن يحضر للمستشفى لأن الضحية تعرض لحادث وتحاول الممرضة ألا تقول مزيد من التفاصيل فى الهاتف.

وفى المستشفى, يعرف قريب الضحية وينهار.

الانهيار صعب تفاديه, والثبات فى تقبل المصيبة ممكن ولكنه لا يدل على مرور الصدمة.

ما بعد الانهيار هو المهم. الدراما الحقيقية التى تُصنع منها الأفلام والمسلسلات.

بروس وين, الرجل الوطواط, ما كان ليصبح وطواطاً لو لم يعش بذكرى مصرع والديه أمامه واعتقاده أنه السبب فى موتهما.

وأخوه, الرجل العنكبوت, عاش بذنب رؤيته لمقتل زوج والدته أمامه وكان يستطيع أن ينقذ حياته ولم يتمكن من ذلك, فقرر أن يصبح عنكبوت مدة بقائه فى شاشات السينما.

نترك الخيال ونغوص فى بطولة من بطولات الواقع: محمد ابن عبد الله. النبى الكريم صلى الله عليه وسلم, سافر فى رحلة الإسراء والمعراج مباشرة بعد أن خذله أهل الطائف وهذا الخُذلان حدث مباشرة بعد أن توفيت السيدة حديجة الزوجة الحنون والعم, أبو طالب, حافظ النبى من بطش أهل مكة.
علمنا النبى الكريم أن نصبر عند المصيبة الأولى, ثم نقاوم الاكتئاب بالهجوم المباشر على قلب الخوف والهزيمة, بعدها نستطيع أن نرفع أيدينا للسماء وندعو الله بالدعاء المزلزل الذى دعى به رسول الله بعد أن خذله أهل الطائف...دعاه والدم ينزل من جسده الكريم بعد أن اعتدوا على جسده الشريف ورموه بالحجارة.

نرفع أيدينا للسماء ونقول كما قال النبى الكريم:

اللهم إنا نشكو اليك ضعف قوتنا...وقلة حيلتنا ...وهواننا على الناس.

يا أرحم الراحمين...أنت رب المستضعفين, وأنت ربنا.

إلى من تكلنا يا رب؟

إلى بعيد يتجهمنا؟ أم إلى عدو ملكته أمرنا؟

نعوذ بنور وجهك الذى أشرقت به الظُلمات, وصلح عليه أمر الدُنيا والآخرة, أن يحل علينا غضبك أو ينزل بنا سخطك.

إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالى.

ولكن رحمتك هى أوسع لنا.

لك العتبى حتى ترضى, ولا حول ولا قوة إلا بك.

بكى النبى الكريم بكاء حار وهو يختم هذا الدُعاء.

بأدبه العظيم, طلب الرحمة فى عشرة فى المائة فقط من الدعاء كله.

بماذا ردت السماء؟

بالفتح من الله عز وجل.

ملك الجبال يخيره لو أراد أن يهلك أهل الطائف بفعصهم وسط الجبال زى الصراصير. ولكنه رفض بكرم أخلاقه وطلب لهم العفو أملاً فى دخولهم فى فيض رحمة الدين الكريم.

بعدها كانت المكافأة. رحلة لم ولن يمر بها أحد إلا رسول الله.

رحلة إلى السماء لا يستطيع جهابذة وكالة ناسا الفضائية أن يفكروا فيها.

ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعيش لرسالة وجه لها كل طاقته ولذلك حين كان يسأل الله كان يُجاب.

أما نحن, فما رسالتنا فى الحياة؟ ما رصيدنا عند ملك الكون لنطالبه بأن يحفظنا من ظلام الصدمات ويدخل البشر والسرور على حياتنا بعد قسوة الأحزان؟

الواقع يقول أن رصيدنا عنده قليل جداً, ولكننا أيضاً نحاول, ولم ولن نيأس من المحاولة.

شهر رمضان الكريم على وشك القدوم, وهو فرصة لفعل الخير وزيادة الرصيد.

والله سبحانه وتعالى يقول: انا عند حُسن ظن عبدى بى.

قادر برحمته أن يصبرنا على آلام الحياة وأخبارها السوداء.

قادر أن يُنبت رياحين السعادة من صحراء الأحزان المحدقة.

بقدر ما نزرع من خيرات, سنحصد صبراُ على الأزمات.

والأقوى من ذلك أن يمنع الله الأزمة من الحدوث فهو المالك المهمين على كل شئ وأى شئ.

ولكن حتى لو حدثت الأزمة ووقع الابتلاء, ستظل وتبقى أول أسماء الكريم: الرحمن الرحيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق